مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
295
شرح فصوص الحكم
وهو بين الخوف والرجاء وخرجوا عن دائرة العقل بسبب ازدياد خوفهم ويبقوا حيارى ساقطين عن العمل أو تصدعت قلوبهم من خشية اللّه لشهود استحقاقهم بعذاب اللّه فأظهر اللّه لهم شمول رحمته بأخبث الأشياء وهو المدعي الربوبية تسلية لهم وحفطا عن مثل هذه المهالك فكانت هذه الدلائل الرحمانية آية لأهل الفناء حتى لا ييأس أحد منهم من رحمة اللّه فهم بتلك الدلائل يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وبالدلائل القهارية يخافون عذاب اللّه فهم بين الخوف والرجاء بالآيات الواردة في حق فرعون فإنهم إذا نظروا إلى الإجماع خافوا عقاب اللّه وإذا نظروا إلى إشارات الآيات يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ فهم صاحب الدليلين لأنهم جامعون بين الشريعة والحقيقة وتلك الدلائل القهارية والانتقامية وهي الإجماع وظاهر القرآن آية لأهل الوجود حتى لا يجترئ أحد منهم على المعاصي فهم بذلك يخافون عذاب اللّه فقط حيث قهره اللّه ومن تابعه في الدنيا بالهلاك وفي الآخرة بالعذاب الأبدي ولا رجاء لهم في حق فرعون لعدم اطلاعهم بالحقائق القرآنية فهم صاحب دليل واحد وأما حكمة ظهور هذه المعاني من لسانهم فهي ابتلاء من اللّه للراسخين في العلم من علماء الظاهر حتى علموا أن للَّه عبادا لم يصلوا درجتهم في رتب العلم ويلقوا أنفسهم في مدرجة العجز ويضمحل علمهم في علم ذلك العبد فمثل هذا الكلام من كراماتهم القولية وتشابهاتهم يصدر منهم بأمر اللّه تعالى ومن لم يعلم محكمات أقوالهم أو لم يردّها إلى المحكمات فقد أخطأ باتباعه بالمشابهات فضل وأضل وأنكر وظن السوء لخفاء سببها عليه فبعد صدور مثل هذا الكلام منهم وقع الخلاف بين الناس فمنهم من علم مرادهم من كلامهم وعلم مرتبتهم في العلم لسلامة عقلهم وقوة مناسبتهم الروحانية بينهما ومنهم من فوّض أمرهم إلى اللّه تعظيما لهذه الطائفة واتصافا من أنفسهم ومنهم من أنكر لعدم المناسبة والكل مصيب ومأجور إلا من اتبع المتشابهات وعمل بها فإنه ضال مضل أعوذ باللّه من الاتباع بالمشابهات والعمل بها واللّه أعلم بحقيقة الحال . ثم رجع إلى أحوال موسى عليه السلام فقال ( ولما عصمه اللّه من فرعون أصبح فؤاد أم موسى فارغا من الهم الذي كان قد أصابها ثم إن اللّه حرم عليه المراضع حتى أقبل على ثدي أمه فأرضعته ليكمل اللّه لها سرورها ) أي سرور أمه ( به ) أي بالإرضاع أو بموسى ( كذلك علم الشرائع ) من التعلم أي كما أن اللّه حرم على موسى المراضع وعلم ثدي أمه من عنده كذلك علم الشرائع لموسى من لدنه وحرم عليه اتباع شريعة غيره أو من العلم أي نسبة علم الشرائع مع صاحبها كنسبة موسى مع لبن أمه أو معناه كما أن اللّه حرم على موسى المراضع وعلمه طريق لبنه كذلك علم لكل نبي شريعة أي طريقة علمه الذي جاء منها وحرّم على ذلك النبي شريعة غيره كما حرم على موسى ثدي غير أمه ( كما قال لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً ) أي طريقا ومنهاجا أي من تلك الطريقة جاء فكان هذا القول إشارة إلى الأصل